العيني

39

عمدة القاري

قوله : ( فيكم ) ، خطاب لهذه الأمة . قوله : ( حكما ) ، أي : حاكماً بهذه الشريعة ، فإن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ، وفي رواية الليث ابن سعد عند مسلم : حكماً مقسطاً ، وله في رواية : إماماً مقسطاً ، أي : عادلاً ، والقاسط الجائر . قوله : ( ويقتل الخنزير ) ، ووقع في رواية الطبراني ، ويقتل الخنزير والقردة . قوله : ( ويضع الجزية ) ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : ويضع الحرب ، والمعنى : أن الدين يصير واحداً ، لأن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، لا يقبل إلاَّ الإسلام . فإن قلت : وضع الجزية مشروع في هذه الأمة فلم لا يكون المعنى : تقرر الجزية على الكفار من غير محاباة ، فلذلك يكثر المال ؟ قلت : مشروعية الجزية مقيدة بنزول عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، وقد قلنا أن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يقبل إلا الإسلام وقال ابن بطال وإنما قبلناها قبل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام للحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه لا يحتاج فيه إلى المال ، فإن المال يكثر حتى لا يقبله أحد . قوله : ( ويفيض المال ) ، بفتح الياء وكسر الفاء وبالضاد المعجمة ، أي : يكثر ، وأصله من فاض الماء ، وفي رواية عطاء بن مينا : وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ، وسببه كثرة المال ونزول البركات وتوالي الخيرات بسبب العدل وعدم الظلم ، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة . قوله : ( حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها ) لأنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله إلاَّ بالعبادات لا بالتصدق بالمال . فإن قلت : السجدة الواحدة دائماً خير من الدنيا وما فيها ، لأن الآخرة خير وأبقى . قلت : الغرض أنها خير من كل مال الدنيا ، إذ حينئذ لا يمكن التقرب إلى الله تعالى بالمال ، وقال التوربشتي : يعني أن الناس يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها . قوله : ( ثم يقول أبو هريرة . . . ) إلى آخره ، موصول بالإسناد المذكور . قوله : ( واقرؤا إن شئتم ) ، قال ابن الجوزي : إنما أتى بذكر هذه الآية للإشارة إلى مناسبتها لقوله : ( حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها ) . فإنه يشير بذلك إلى صلاح الناس وشدة إيمانهم وإقبالهم على الخير ، فهم لذلك يؤثرون الركعة الواحدة على جميع الدنيا ، والسجدة تذكر ويراد بها الركعة . وقال القرطبي : معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك ، وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد . قوله : ( وإن من أهل الكتاب ) ، كلمة : إن ، نافية ، يعني : ما من أهل الكتاب من اليهود والنصارى إلاَّ ليؤمنن به . واختلف أهل التفسير في مرجع الضمير في قوله تعالى : به . فروى ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : إنه يرجع إلى عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، وكذا روي من طريق أبي رجاء عن الحسن ، قال : قبل موت عيسى : والله إنه لحي ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ، وذهب إليه أكثر أهل العلم ، ورجحه ابن جرير وأبو هريرة أيضاً صار إليه فقراءته هذه الآية الكريمة تدل عليه ، وقيل : يعود الضمير إلى الله ، وقيل : إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والضمير في قوله : ( قبل موته ) يرجع إلى أهل الكتاب عند الأكثرين لما روى ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس : ( لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى ) فقال له عكرمة : أرأيت إن خر من بيت أو احترق أو أكله السبع ؟ قال : لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى ، وفي إسناده : خصيف ، وفيه ضعف ، ورجح جماعة هذا المذهب لقراءة أبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنه ، إلاَّ ليؤمنن به قبل موتهم ، أي : قبل موت أهل الكتاب ، وقيل : يرجع إلى عيسى ، أي : إلاَّ ليؤمنن به قبل موت عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، ولكن لا ينفع هذا الإيمان في تلك الحالة . فإن قلت : ما الحكمة في نزول عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، والخصوصية به ؟ قلت : فيه وجوه . الأول : للرد على اليهود في زعمهم الباطل أنهم قتلوه وصلبوه ، فبيَّن الله تعالى كذبهم ، وأنه هو الذي يقتلهم . الثاني : لأجل دنو أجله ليدفن في الأرض ، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غير التراب . الثالث : لأنه دعا الله تعالى لما رأى صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حياً حتى ينزل في آخر الزمان ويجدد أمر الإسلام ، فيوافق خروج الدجال فيقتله . الرابع : لتكذيب النصارى وإظهار زيفهم في دعواهم الأباطيل وقتله إياهم . الخامس : أن خصوصيته بالأمور المذكورة لقوله صلى الله عليه وسلم : أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي ، وهو أقرب إليه من غيره في الزمان ، وهو أولى بذلك . 106 - ( حدثنا ابن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة